الحرب أم تصور الحرب؟ ما هو التریاق للعملیات النفسیة الأمریکیة - الإسرائیلیة؟
إن احتمال وقوع هجوم، والتحضير له، والانسحاب منه، كلها أمثلة على الحرب النفسية، ومزيج مرير من الأخبار والشائعات والتكهنات والتحليلات التي تُنشر في الفضاء الإلكتروني ووسائل الإعلام العالمية هذه الأيام ضد إيران، مدعيةً دعم الشعب الإيراني، بينما تكافح الحكومة بكل قوتها للسيطرة على الأوضاع الاقتصادية.
في العام الماضي، من يناير 2025 إلى 2026، كانت كلمة "إيران" من بين الكلمات الثلاث الأكثر تداولاً في وسائل الإعلام الغربية والشرقية، وكذلك في مواقع التواصل الاجتماعي؛ أي منذ اليوم الذي بدأ فيه دونالد ترامب ولايته الرئاسية الثانية. بدأت الأخبار المتعلقة بإيران في العام الماضي برسالة ترامب إلى قائد الثورة، واستمرت حتى اليوم مع إعلانه دعمه للمتظاهرين الإيرانيين. وفي الوقت نفسه، وكما هو معتاد، إلى جانب الأخبار الرسمية والتحليلات الموثوقة، قيل وكُتب ما يلي: انتشرت في الأوساط السياسية والإعلامية المتعلقة بإيران كمية كبيرة من الشائعات والعناوين المضللة والتكهنات التحريضية، وقد ازداد حجمها وتنوعها وشدتها في الأيام الأخيرة.
فإذا كانت معظم هذه الشائعات تُنشر سابقًا من مصادر إعلامية مجهولة وغير موثوقة في كثير من الأحيان، فإننا نشهد اليوم مزاعم غريبة من وسائل إعلام معروفة نسبيًا، والتي تُشكك في مصداقيتها الإعلامية في ظل هذا الجو المشحون بالشكوك، وذلك بنشرها بعض الأخبار والتحليلات. وتُنشر في وسائل الإعلام الغربية أخبارٌ عن هجمات عسكرية وتغييرات حكومية وهروب مسؤولين وسقوط مدن، وغيرها من هذه المزاعم، بينما لا تُشير الدلائل، رغم كل الصعوبات والاحتجاجات داخل البلاد، إلى وجود أدلة قوية تدعم هذه المزاعم.
ويمكن إيقاف هذا المسار من خلال الثقة الكاملة بالمجتمع، وحشد جميع القوى الموالية لإيران في البلاد، والتمسك بمبادئ القضاء على التمييز الاقتصادي ومكافحة الفساد. تصاعدت حدة موجة الأخبار التي ظهرت في الأيام الأخيرة، لا سيما بعد أحداث فنزويلا واعتقال الرئيس نيكولاس مادورو ونقله قسرًا من قبل الولايات المتحدة، ويمكن اعتبار أبرز سماتها وجود أدبيات وأخبار وادعاءات تفتقر إلى مصدر موثوق ودقيق، وتقارير غير مؤكدة، ما قد يُفسر، نظرًا لهذه السمات، كأداة نفسية في مشروع تصعيد الضغط الغربي على إيران. وقد تكررت ثلاثة أنماط محددة في الأيام الأخيرة: احتمال نشوب صراع عسكري، والتحضير لبدء صراع عسكري، ونفي احتمالية نشوب صراع عسكري، مما أدى إلى تأجيج حالة من الغموض والتوتر في الرأي العام في إيران والمنطقة.
وتستغل الدول الغربية ووسائل إعلامها، العلنية منها والسرية، كما في السابق، فرصة الاحتجاجات والاضطرابات في البلاد لتحقيق أهدافها، وقد خلق تكرار هذا النمط القديم جوًا ملتبسًا حول الواقع وما يُراد إظهاره، ويطرح تساؤلًا حول ما إذا كان العمل العسكري ضد إيران "جادًا" أم "يريدون" تحليله بجدية.
يتطلب الإجابة على هذا السؤال الإلمام بظاهرة الحرب النفسية وأهميتها في عالمنا المعاصر. ورغم أن هذا ليس موضوع هذه المقالة، إلا أن ضرورة الفهم الصحيح لأهدافها وأبعادها كفيلة بتحييد أحد أهم السيناريوهات الموجهة ضد إيران، ألا وهو سيناريو بث الخوف في نفوس الناس واستغلاله لتحقيق مصالح خاصة.
إن صياغة دقيقة لما جرى خلال العام الماضي، ولا سيما في الأسابيع القليلة الماضية، دون الانجرار وراء الشعارات المبتذلة والمشاعر التحريضية، وإن كان ذلك صعباً، إلا أنه ضرورة لا غنى عنها في ظل الوضع الراهن. ويُظهر تاريخ العالم والمنطقة أن موجات الأخبار، في كثير من الأحيان، لا تعدو كونها شائعات وأكاذيب تحريضية، وليست وسيلة لممارسة ضغط أكبر دون اللجوء إلى القتال في الميدان أو الصراع العسكري. فدون إطلاق رصاصة واحدة، استهدفت وسائل الإعلام آمال الشعب وثقته في الدولة وسلطاتها، ورغم أن هذا لا يعني تجاهل خطر الهجوم العسكري تحت أي ظرف، إلا أنه يستدعي أيضاً دراسة متأنية وبحثاً معمقاً.
الحرب النفسية مفهومٌ، وإن لم يكن قديمًا في قاموس السياسة والعلاقات الدولية، يُعرَّف حاليًا بأنه أحد أهم أدوات هزيمة أو انتصار الدول في النظام العالمي؛ إذ تُصمَّم وتُنفَّذ مجموعة من الإجراءات المُخطَّطة والمُوجَّهة بهدف تغيير التصورات السائدة لدى الدولة المُعارضة. في هذه المعركة، لا تُعدّ القوة العسكرية، بما فيها الأسلحة والضغوط السياسية، ذات أهمية كبيرة، بل تُستخدم الشائعات والمبالغة في التهديدات وبثّ حالة من انعدام الأمن بهدف إضعاف الثقة السياسية والاجتماعية وخلق جوٍّ من الجمود.
في عالم الاتصالات المُعقَّد، يُعدّ هذا النوع من الصراع أبسط وأسهل انتشارًا من الهجوم العسكري، ويُؤدّي إلى طمس الخط الفاصل بين الأخبار والشائعات، والتحليل والتكهّن، فتفقد عقول الجمهور، وسط كمٍّ هائل من البيانات المُضلِّلة غالبًا، القدرة على التمييز والتفكير والتدخُّل، وتُصبح في حالة من الارتباك في المجتمع. تُذكر هذه الأخبار والتحليلات الكاذبة، التي تحظى بآراء متعددة في خوارزميات الشبكات الافتراضية عبر خلق ما يُسمى بالمشاعر الزائفة، أحيانًا في وسائل الإعلام الموثوقة، مما يُضاعف سرعة انتشارها. ورغم ادعاء هذه الوسائل الإعلامية الحياد، إلا أنها في الواقع أصبحت أحد عوامل الحرب النفسية، وتُساهم في زيادة ارتباك الشعب. وفي الوقت نفسه، بات الشعور بضعف سلطة الإعلام أكثر وضوحًا من أي وقت مضى داخل إيران.
الاحتجاجات في إيران وتصاعد الحرب النفسية
إن الظروف الاقتصادية الصعبة في إيران هذه الأيام حقيقة لا يُمكن إنكارها، وتتطلب خطة مختلفة عن تلك المُتبعة سابقًا لحلها. تُعاني شرائح عديدة من المجتمع الإيراني حاليًا من صعوبات معيشية وتضخم، وكانت هذه القضية العامل الأهم في اندلاع الاحتجاجات في البلاد. إن عدم إنكار هذه الحقيقة أمر بالغ الأهمية، لأن أي إنكار لها قد يُمهد الطريق لتصعيد الحرب النفسية وتوطيدها، ويُوفر منصةً أوسع لوسائل الإعلام والجهات الفاعلة الغربية للعب دورٍ بارز في هذا المجال. لقد أثبتت التجربة أنه مع كل احتجاج على سبل العيش، تتصاعد الجهود الخارجية لزعزعة استقرار البلاد وإعلان انهيارها وسقوطها، وفي هذه المرحلة، تم تهيئة سيناريو قريب من الظروف السابقة. وتُعدّ المطالب المشروعة للشعب واحتجاجاته المشروعة الضحايا الأبرز لهذه الظروف، حين تحظى بدعم ظاهري أو مزعوم من أولئك الذين هم أنفسهم العامل الأهم في خلق هذه الظروف.
ورغم أن تدخل الولايات المتحدة وأوروبا والكيان الإسرائيلي في الاحتجاجات الشعبية في إيران يكاد يكون موجّهاً بشكل مُسبق، إلا أن هذا التدخل في الحالة الأخيرة، عقب الهجوم العسكري في يونيو، يبدو أنه مصحوب باختلافات، وأن تصعيد التوتر النفسي في المجتمع الإيراني يتماشى مع حملة الضغط القصوى نفسها لإجبار صناع القرار في طهران على الجلوس إلى طاولة المفاوضات المفروضة عليهم.
في الثاني من يناير، زعم ترامب أنه "إذا أطلقت إيران النار على المتظاهرين السلميين وقتلتهم، وهو ما تفعله عادةً، فإن الولايات المتحدة ستتدخل لنجدتهم. نحن مستعدون". وكرر الزعم نفسه صباح أمس، في محاولةٍ منه لصرف الأنظار عن الاحتجاجات الاقتصادية في إيران وممارسة المزيد من الضغط على طهران. كما أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو دعمه لهم خلال أيام الاحتجاجات الشعبية الإيرانية.
يبذل المسؤولون الغربيون هذه الجهود في حين أنهم دخلوا مرارًا وتكرارًا مجال التفاعل مع طهران بهذا النهج، وفي كل مرة خرجوا خالي الوفاض. منذ التأكيد على أن "جميع الخيارات مطروحة على الطاولة"، وحتى تشديد العقوبات والضغوط في مراحل مختلفة بذريعة الاحتجاجات داخل البلاد، مضوا قدمًا في مشروع فاشل، ويبدو أن تكراره يُفضي إلى النتائج نفسها التي شهدناها في يناير من الأعوام السابقة.
تردد ترامب تجاه إيران وترياق الحرب النفسية
فإيران أرضٌ لا تُقارن بأي أرض أخرى، والوصفة المُعدّة لها لا تُناسبها. إيران ليست فنزويلا أو ليبيا أو سوريا أو حتى العراق، والرئيس الأمريكي يدرك ذلك أكثر من أي شخص آخر. إن وضع خطة لدولة يبلغ تعداد سكانها 90 مليون نسمة، ذات خصائص نفسية وثقافية وسياسية محددة، وموقع جيوسياسي، رغم تشابه مصالحها مع قوى أخرى في العالم، وقوة عسكرية ذاتية الصنع، وعقلية تستند إلى الفكر الشيعي وحضارة إيران المتسامحة، من آلاف الكيلومترات، ليس بالأمر الهين.
إن موجة الأخبار المتداولة في مختلف وسائل الإعلام حول سيناريوهات بعيدة كل البعد عن الواقع، مثل هروب مسؤولين إيرانيين، أو تغيير النظام على غرار فنزويلا، أو هجوم عسكري وتفكيك الحكومة الإيرانية، تشير جميعها إلى أن واشنطن لا تملك رؤية واضحة لإيران، ورغم تحالفها مع نتنياهو بشأن وقف التخصيب، إلا أنها لا تزال عاجزة عن تحديد كيفية التعامل مع مفهوم إيران بكل ما يحمله من دلالات.
وقد تم بث هذا الغموض في وسائل الإعلام والشبكات الافتراضية على شكل شائعات عديدة، ويتم تقييم رد فعل الشعب الإيراني والرأي العام، ويتم اتخاذ الخطوة التالية بناءً على ذلك.