نزع سلاح المقاومة فی العراق/ اختبار للسیادة الوطنیة أم تنفیذ لأجندة خارجیة؟
أعادت التطورات الأخيرة في العراق ملفاً من أكثر الملفات السياسية والأمنية حساسية في البلاد إلى واجهة النقاش العام؛ ملف يرتبط بمستقبل السيادة الوطنية، والهيكل الأمني، وميزان القوى في العراق، ويُعرف بـ"نزع سلاح فصائل المقاومة".
في الأسابيع الأخيرة، وبالتزامن مع تصاعد الضغوط الأمريكية على بغداد، تحدثت بعض التيارات السياسية والعسكرية العراقية عن استعدادها لدمج أو التنازل عن جزء من قدراتها العسكرية للهياكل الرسمية. وهذه العملية تجري في وقت يعتبر فيه جزء مهم من قوات المقاومة العراقية أن مثل هذه الخطوة ليست ضرورة وطنية، بل نتيجة ضغوط خارجية، معتقدين أن القرار بشأن مستقبل هذه القوات يجب أن يُتخذ في إطار حوار داخلي ووفقاً للمصلحة الوطنية العراقية.
الحقيقة هي أنه لا يمكن الحديث عن سلاح المقاومة في العراق دون إغفال دور هذه القوات في التاريخ المعاصر للبلاد. فعندما احتلت الجماعة الإرهابية "داعش" أجزاء واسعة من العراق في عام 2014، وواجه الأمن الوطني خطر الانهيار، تحولت قوات "الحشد الشعبي" وفصائل المقاومة، إلى جانب الجيش والقوات الأمنية العراقية، إلى أحد أهم عوامل منع سقوط البلاد. إن تجربة تلك السنوات لا تزال حية في الذاكرة الجماعية للعراقيين، ويعتقد الكثير من المواطنين العراقيين أنه لولا التعبئة الشعبية ووجود قوات المقاومة، لكانت استعادة المناطق المحتلة أصعب بكثير.
ولهذا، يعتبر جزء كبير من المجتمع السياسي العراقي أن النظرة الأمنية فقط إلى ملف نزع السلاح غير كافية. فمن وجهة نظرهم، الموضوع ليس مجرد بضعة فصائل مسلحة، بل يتعلق بهيكل تحول خلال السنوات الماضية إلى جزء من المعادلات السياسية والاجتماعية والأمنية العراقية. وأي تغيير في هذا الهيكل، دون النظر في العواقب الداخلية والإقليمية، يمكن أن يخل بالتوازنات القائمة.
القضية المهمة الأخرى هي توقيت طرح هذا الملف. فالعراق اليوم يعيش في بيئة إقليمية لا تزال تعاني من انعدام الأمن والنزاعات العسكرية والتنافس بين القوى الخارجية. فمن حرب غزة ولبنان إلى التوترات المتصاعدة بين إيران والكيان الصهيوني، تمر منطقة غرب آسيا بظروف تجعل العديد من دولها تعيد النظر في استراتيجياتها الأمنية. في مثل هذا الجو، يُطرح سؤال: هل العراق في موقع يسمح له بالتخلي عن جميع أدوات الردع غير الرسمية الخاصة به؟
يرى مؤيدو نزع السلاح أن احتكار السلاح بيد الحكومة هو الشرط الأساسي لتعزيز السيادة ومنع تعدد مراكز القوى. هذا المنطق قابل للدفاع نظرياً ومقبول في العديد من دول العالم. لكن تحقيق هذا الهدف يتطلب وجود حكومة مستقلة وقوية وتمتع بحرية كاملة في اتخاذ القرار. السؤال الأساسي هو: هل يتمتع العراق اليوم بمثل هذه الشروط؟
يعتقد العديد من النخب العراقية أن التدخلات الخارجية لا تزال تشكل أحد التحديات الرئيسية للنظام السياسي في البلاد. فمن وجهة نظرهم، طالما أن الفاعلين الخارجيين يلعبون دوراً في العمليات السياسية والأمنية وحتى الاقتصادية في العراق، فإن الحديث عن احتكار كامل للسلطة بيد الحكومة سيواجه صعوبات جدية. ولهذا، يؤمن جزء من المجتمع السياسي العراقي بأن الأولوية يجب أن تكون لتعزيز استقلالية القرار الوطني، ثم البت في مصير الهياكل الأمنية القائمة.
وفي غضون ذلك، تقدم تجارب دول المنطقة دروساً مهمة للعراق. فقد أظهرت تطورات السنوات الأخيرة أن الفراغات الأمنية في العديد من الدول العربية وفرت أرضية للتدخلات الخارجية وظهور الجماعات المتطرفة وتصاعد عدم الاستقرار. لذلك، فإن أي إعادة تصميم للهيكل الأمني العراقي يجب أن تتم بأقصى درجات الدقة وبناءً على تقييم واقعي للتهديدات القائمة.
نقطة أخرى لا ينبغي تجاهلها هي المكانة الاجتماعية والشعبية لجزء من قوات المقاومة. فهذه القوات ليست مجرد تشكيلات عسكرية، بل لها قواعد اجتماعية وثقافية وخدمية في العديد من مناطق العراق. لذلك، فإن التعامل مع هذا الملف من الزاوية الأمنية فقط لا يمكنه معالجة تعقيداته. إن نجاح أي حل محتمل يتطلب مشاركة جميع التيارات السياسية والدينية والاجتماعية العراقية في حوار وطني شامل.
ما يحتاجه العراق اليوم أكثر من أي شيء هو إجماع داخلي والابتعاد عن القرارات المتسرعة. لا ينبغي تحديد مستقبل الأمن العراقي في غرف تفكير خارج حدود هذا البلد. فكما تمكن العراقيون في أصعب أيام القتال ضد الإرهاب من الدفاع عن بلدهم، يجب عليهم اليوم أيضاً أن يقرروا بأنفسهم مستقبل هياكلهم الأمنية والسياسية.
إن ملف نزع سلاح المقاومة هو في الواقع اختبار لقياس درجة استقلال العراق في اتخاذ القرار الوطني. إذا تمت إدارة هذه القضية في إطار تفاهم داخلي، والحفاظ على السيادة الوطنية، وتحقيق مصالح جميع العراقيين، فيمكن أن يساهم في تعزيز الدولة واستقرار البلاد. أما إذا تحولت إلى أداة لممارسة الضغوط الخارجية أو استبعاد جزء من المعادلات السياسية العراقية، فلن تضمن الاستقرار فحسب، بل قد تمهد الطريق لانقسامات جديدة وأزمات غير متوقعة في المستقبل.
العراق اليوم أمام خيار استراتيجي؛ خيار بين قرار ينبع من الإرادة الوطنية وقرار يتأثر باعتبارات وضغوط خارجية. إن مصير هذا الملف لن يحدد مستقبل فصائل المقاومة فحسب، بل سيرسم صورة واضحة لمسار السيادة والأمن والاستقلال العراقي في السنوات القادمة.