وزیر الخارجیه الإیرانی السابق محمد جواد ظریف یتحدث عن الحرب والدبلوماسیه فی الشرق الأوسط کسر الحلقه المفرغه
يرى وزير الخارجية الإيراني السابق محمد جواد ظريف، في مقال رأي له، أن إيجاد مخرج من لعبة المحصلة الصفرية في الشرق الأوسط يتطلب تحولاً جذرياً في المفاهيم: الابتعاد عن المطالب الأحادية المتطرفة، والتوجه نحو بنية أمنية مشتركة وتعاون نووي مدني منضبط.
لقد هدمت التصعیدات العسکریه فی الأشهر الأخیره عبر غرب آسیا وهماً خطیراً طال أمده: الاعتقاد بأن الاستقرار یمکن شراؤه من خلال القواعد العسکریه الأجنبیه وصفقات الاستحواذ على الأسلحه المتطوره، أو أن الأمم ذات السیاده یمکن ترکیعها وإخضاعها من خلال الحرب الاقتصادیه والضربات الجویه. وهناک وهم لا یقل خطوره ظل سائداً بین العدید من الأطراف الأوروبیه والإقلیمیه؛ حیث تصرفوا تاریخیاً – أو تقاعسوا عن التصرف – بناءً على افتراض مفاده أن إیران یمکن محاصرتها من قبل الولایات المتحده وشرکائها فی أوروبا والمنطقه داخل دوره أمنیه دائمه من العزله الدبلوماسیه، والخنّق الاقتصادی، والعدوان العسکری المباشر، بینما یظلون هم فی معزل عن ذلک، یحتفلون بهدوء ویتابعون تنمیتهم الاقتصادیه وازدهارهم الخاص.
لقد حان الوقت للاعتراف بالواقع. إن عقوداً من “الضغوط القصوى” والضربات العسکریه قد فشلت فی القضاء على المرونه الإیرانیه أو محو تقدمها التکنولوجی. والأهم من ذلک، أنها أثبتت أن المقاربات الصفریه فی السیاسه الدولیه تؤدی حتماً إلى نتائج سلبیه للجمیع. إن الأمن والتنمیه المستدامه حقیقتان متلازمتان وجماعیتان بطبیعتهما؛ فلا یمکن احتواء دینامیکیات الانفلات الأمنی ومناهضه الأمن بطریقه سلسه، بل إنها تتجاوز الحدود حتماً، کما أظهرت التطورات الإقلیمیه الأخیره بکل وضوح. لا یمکن لأیه دوله أن تبنی واحه آمنه ومزدهره على الرمال المتحرکه لعدم الاستقرار الممنهج لدى جیرانها. وللخروج من هذه الدوره الأبدیه من الأزمات، نحن بحاجه إلى تغییر فی النموذج الفکری، إلى نموذج یستبدل لغه الإکراه البالیه ببنْیه تحتیه أصیله للأمن الجماعی.
وفی جذر المأزق الحالی تکمن “الدوره الأمنیه”. فعلى مدى عقود، قامت الولایات المتحده وإسرائیل بتأطیر إیران لیس کفاعل دولی طبیعی لدیه متطلبات أمنیه مشروعه، بل کتهدید وجودی یتطلب تدابیر استثنائیه وخارجه عن القانون. وقد استُخدمت هذه الروایه لتبریر العقوبات أحادیه الجانب، وتندیدات مجلس الأمن، والحرب الاقتصادیه العابره للحدود، والعدوان العسکری المباشر.
وکما کان متوقعاً، فقد أشعلت هذه الحمله نبوءه ذاتیه التحقق. ففی مواجهه التطویق العدائی والحرب الاقتصادیه، اضطرت إیران إلى اتخاذ تدابیر دفاعیه مضاده؛ حیث عززت ردعها التقلیدی ووسعت نطاق تخصیبها النووی لإثبات أن الإکراه لن یؤدی إلى الامتثال. وسرعان ما استغل الخصوم هذه الخطوات الدفاعیه والردعیه بشکل انتهازی للمصادقه على اتهاماتهم المستمره وتصعید الضغوط بشکل أکبر.
لقد أکدت الوکاله الدولیه للطاقه الذریه مراراً وتکراراً أن إیران لم تسعَ قط لامتلاک أسلحه نوویه. ومع ذلک، استمرت القوى من خارج المنطقه فی اتهامها بذلک وفرضت عقوبات تجاوزت بکثیر التدابیر المتخذه ضد الدول التی طورت بالفعل ترسانات نوویه. وقد خلق هذا انطباعاً واسع النطاق فی إیران بأن الالتزام بالمعاییر الدولیه لمنع الانتشار النووی یؤدی إلى نتائج عکسیه. إن کسر هذه الدوره السامه یتطلب التعلم من أخطاء الماضی وعکس منطق التفاعل. وإذا کانت الولایات المتحده وشرکاؤها یرغبون فی ضمان ألا تؤدی سلوکیاتهم إلى إعاده النظر فی العقیده النوویه الإیرانیه طویله الأمد، فعلیهم الکف فوراً عن سیعهم لإسقاط النظام، بما فی ذلک عبر الحروب الاقتصادیه والسیاسیه والدبلوماسیه والعسکریه. إن الثقه لا یمکن إعاده بنائها استناداً على مطالب أحادیه الجانب، بل على أساس احترام کرامه ورفاهیه إیران وشعبها.
إن فشل التفکیر الصَفری فی الملف النووی بات جلیاً الآن للعیان. فالترکیز الغربی على القیود القصوى والتدابیر العقابیه قد انهار مراراً وتکراراً تحت وطأه تناقضاته الخاصه. وخلال سنوات المفاوضات المضنیه التی توجت بخطه العمل الشامله المشترکه (JCPOA) عام ۲۰۱۵، شهدتُ بنفسی کیف یمکن للانتقال من المطالب الصفریه إلى التسویات الإیجابیه المشترکه، ما یعنی أن یفتح قفل ما کان یُعتقد لفتره طویله أنه مأزق مستعصٍ. ومن خلال قضاء ساعات لا تحصى فی فیینا وجنیف مع نظرائی، أثبتنا أن الإراده الدبلوماسیه والاحترام المتبادل یمکنهما التغلب على عقود من العداء العمیق الجذور. ومع ذلک، فإن ذلک الانتصار القصیر للمقاربه الواقعیه والتعاونیه والإیجابیه کان قصیر الأجل وانتهى بشکل مأساوی؛ إذ وقعت خطه العمل الشامله المشترکه فی النهایه ضحیه للعوده إلى العادات القائمه على الإکراه. إن العادات القدیمه لا تموت بسهوله؛ فالولایات المتحده لم تلزم نفسها قط بالتنفیذ الکامل لتعهداتها، متمسکه بوهم ضروره الإبقاء على العقوبات والضغوط. أما أوروبا، التی اعتبرت خطه العمل الشامله المشترکه إنجازاً دبلوماسیاً تاریخیاً لها، فقد سمحت بموتها من خلال التقاعس الانتهازی والتمسک بالتحالفات على علاتها. لقد فشلت خطه العمل الشامله المشترکه لأن الولایات المتحده عادت إلى عاده فرض الرأی، مما دفع إیران للعوده إلى عاده المقاومه. وفی خضم ذلک، تسببت أوروبا بشکل مؤلم فی الوفاه المبکره لهذه اللحظه من التعاون الدولی عبر التخلی عن عادتها فی تعزیز التسویه واحترام القانون الدولی لصالح احتیاجات سیاسیه خارجیه.
وإذا أردنا تجنب حدوث تغییر فی العقیده النوویه الإیرانیه وتجاوز المأزق النووی الحالی، یجب تحویل القضیه النوویه من مصدر دائم للأزمات إلى حافز لبناء الثقه الإقلیمیه والتعاون العلمی. وبدلاً من توجیه مطالب مستحیله وخطیره لإیران بإلغاء برنامجها النووی، یجب على المجتمع الدولی أن یتقبل الواقع المثبت الآن بأن العلم والمعرفه الإیرانیه لا یمکن طمسهما بأی حجم من القصف الجوی أو التخریب الکارثی للبیئه. إن المسار الأکثر واقعیه هو ضمان تطبیق هذه القدره الوطنیه الأصیله فی تعاون سلمی موجه نحو معالجه تحدیات تکنولوجیه من واقع الحیاه، من شح المیاه إلى النظائر الطبیه.
هذا هو الهدف المرکزی لشبکه الشرق الأوسط المقترحه للبحوث والتقدم الذری (MENARA)، وهی کلمه عربیه تعنی عموماً “المناره”. وبدلاً من التعامل مع الطاقه النوویه المدنیه من منظور الخوف، توفر (MENARA) إطاراً متعدد الأطراف مفتوحاً لجمیع دول الشرق الأوسط وشمال إفریقیا التی تلتزم بعدم حیازه أسلحه نوویه. ومن خلال هذه الشبکه، یمکن لدول المنطقه تجمیع الخبرات العلمیه، والتعاون فی التطبیقات السلمیه، وإنشاء آلیات تحقق إقلیمیه متبادله.
ولمعالجه الجمود الحالی بشأن تخصیب إیران للیورانیوم، یجب على الغرب وخاصه أوروبا إدراک حقیقه أن إیران قد اکتسبت هذا الحق والقدره بثمن باهظ للغایه لا یمکن تمنّی زواله أو قصفه إلى المالانهایه. وبالتالی، قد یکون تشکیل کونسورتیوم (تحالف) متعدد الأطراف لتخصیب الیورانیوم هو النافذه المتبقی الوحیده للوصول إلى حل دبلوماسی. وبدلاً من التمسک بمطالب غیر قابله للتطبیق بإنهاء التخصیب تماماً، ینبغی تشجیع إیران على الشراکه مع دول الخلیج الفارسی المهتمه، إلى جانب شرکاء دولیین، للمشارکه المباشره فی منشآت تخصیب مشترکه مقرها فی إیران ودول إقلیمیه أخرى. مثل هذا التحالف من شأنه أن یوفر ضمانه هیکلیه صارمه للشفافیه وعدم الانحراف، ویؤمن إمدادات الوقود للاحتیاجات المدنیه من الطاقه فی جمیع أنحاء المنطقه، ویحول قدره وطنیه متنازعاً علیها إلى مشروع إقلیمی مشترک ومراقب بشکل متبادل.
لا یمکن للتفاهم النووی الدائم أن یعیش فی فراغ جیوسیاسی، بل یجب أن یکون مدمجاً داخل بنیه شبکیه أوسع للأمن الإقلیمی. لقد عانى غرب آسیا لأجیال من مغالطه أن الأمن القومی یتطلب تفوقاً عسکریاً على الجیران. إن الأمن الحقیقی لا یتجزأ؛ ویجب أن یتحول الهدف الاستراتیجی لدول المنطقه من بناء “دول قویه” إلى صیاغه “منطقه قویه”.
وینبغی أن تکون المنصه المؤسسیه لهذا التحول عباره عن شبکه تعاون وأمن إقلیمی متعدده الطبقات، صُممت لاستبدال العداء بالصداقه والتعاطف. ویبدأ هذا بحوار مؤسساتی بین الدول الثمانی المطله على الخلیج الفارسی، إلى جانب مصر والأردن وباکستان وسوریا وترکیا. وبعیداً عن العمل فی فراغ قانونی، یمکن إرساء هذه المبادره رسمیاً من خلال تفعیل التفویض المهمل منذ فتره طویله والمتعلق بقرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحده رقم ۵۹۸، الفقره ۸، والتی تکلف الأمین العام للأمم المتحده باستکشاف تدابیر إقلیمیه لتعزیز الاستقرار والأمن.
وتحت هذه المظله الدولیه، یمکن للشبکه اتخاذ تدابیر عملیه لبناء الثقه، بما فی ذلک ترتیبات ملزمه لعدم الاعتداء تحظر استخدام القوه وتمنع استخدام الأراضی أو الأجواء أو الدعم اللوجستی لأطراف ثالثه معادیه. علاوه على ذلک، وبناءً على مبادره إیران لسلام هرمز (HOPE)، یمکن لدول المنطقه تطویر آلیات لضمان حریه الملاحه. ویجب أن تستند هذه الآلیات إلى الحتمیه البدیهیه بأن الدول الحارسه للشرایین العالمیه، مثل مضیق هرمز، لا تُحرم هی نفسها من مزایا المرور بسبب العقوبات العابره للحدود. إن العقوبات والأساطیل البحریه الأجنبیه تزعزع الاستقرار بطبیعتها؛ وإن ضمان المنفعه المتبادله للجمیع هو السبیل المستدام الوحید لضمان الاستقرار البحری على المدى الطویل. کما ینبغی للشبکه الإقلیمیه المقترحه تنسیق الاستجابات الجماعیه للأزمات البیئیه التی تهدد صلاحیه العیش فی هذه المنطقه، بما فی ذلک شح المیاه، وتآکل التربه، والتصحر، وتغیر المناخ. وأخیراً، یمکن إنشاء صندوق تنمیه إقلیمی لدعم إعاده الإعمار ما بعد النزاعات.
إننا نعیش جمیعاً فی عالم ما بعد القطبیه حیث تآکلت الهیمنه العالمیه التقلیدیه، وتوزعت القوه بین فاعلین متعددین وشبکات موضوعیه. وفی هذا المشهد الناشئ، تواجه أوروبا – وألمانیا على وجه الخصوص – خیاراً استراتیجیاً واقتصادیاً حاسماً. فألمانیا تمتلک تقلیدیاً تشابکات واعتمادات أقل فی مجال الطاقه فی منطقه جنوب الخلیج الفارسی. وفی بیئه تعاونیه مستقبلیه فی غرب آسیا، تتمتع ألمانیا بموقع فرید یؤهلها للعمل کشریک حیوی غیر سلطوی للتنمیه الإقلیمیه، مکملهً الانخراط الاقتصادی لأطراف أخرى مثل الصین. ولتحقیق هذه الإمکانیه، یمکن نصح برلین بشده بأن تخرج من جمودها الدبلوماسی الحالی. إذ أن السیاسات الخارجیه للإدارات التی تلت عهد میرکل قد أبعدت ألمانیا عن المکانه الدبلوماسیه التی کانت تتمتع بها فی الماضی، مما اختزل دورها إلى مجرد متفرج سلبی.
لفتره طویله، عملت العواصم الأوروبیه کمجرد تابع لدورات التصعید فی واشنطن، مقدمهً التوافق عبر الأطلسی على مصالحها الواضحه فی مجالات الاقتصاد والطاقه والهجره. ومع ذلک، عندما ینفجر الصراع فی الخلیج الفارسی، فإن أوروبا – ولیس الولایات المتحده – هی من تتحمل التداعیات المباشره لتدفقات اللاجئین، واضطرابات سلاسل الإمداد، وتقلبات الطاقه. إن المیزه الأساسیه لأوروبا لا تکمن فی إسقاط القوه العسکریه القائمه على الإکراه، بل فی تعزیز احترام القانون الدولی، والدبلوماسیه القائمه على المعاییر، وبناء الإجماع العالمی، وحل النزاعات، وشراکات التنمیه. وإدراکاً منها بأن الأمن الدائم لا یمکن تحقیقه من خلال المواجهه المستمره، یمکن لأوروبا أن تساعد فی تفکیک الفخ الأمنی عبر الدعم الفعال للحوار الإقلیمی الفعال والشبکات الشامله.
تمتلک ألمانیا القدره على تصحیح مسارها الحالی وقیاده هیکل الدعم العالمی لهذا المسعى الإقلیمی، وبذلک تستعید إرثها الدبلوماسی السیادی، وتساعد فی بناء إقلیم جار مستقر ومزدهر لأوروبا. والبدیل هو الاستمرار فی التبعیه لسیاسه الحرب الدائمه وعدم الاستقرار. إن هذا المسار لا یخدم المصالح الألمانیه أو الأوروبیه أو العالمیه، ولا یخدم قضیه السلام فی غرب آسیا. بل إنه لا یخدم حتى مصالح الولایات المتحده على المدى الطویل. وبالفعل، فقد خاض دونالد ترامب نفسه حمله انتخابیه قائمه على برنامج “جعل أمریکا عظیمه مجدداً” المتمحور حول “تجفیف المستنقع” وانتشال الولایات المتحده – وبالتبعیه المجتمع الدولی – من وحل الحروب التی لا تنتهی.
محمد جواد ظریف هو أستاذ مشارک فی الدراسات العالمیه بجامعه طهران، ومؤسس ورئیس معهد “معماریو الإمکانات“(PAIAB) . شغل سابقاً مناصب نائب رئیس الجمهوریه الإیرانیه، ووزیر الخارجیه، والممثل الدائم لإیران لدى الأمم المتحده.