من الخوف إلى الركام:
"عقیدة الحرب الإسرائیلیة" تحت المجهر الإیرانی
من القلق الوجودي إلى "عقيدة الركام"، تتحول الحرب الإسرائيلية من محاولة هزيمة الخصم إلى محاولة منع قدرته على النهوض مجدداً. لكن إيران لا تقرأ الركام بوصفه نهاية المعركة، بل تقرأ العقل الذي يصنعه، وتسأل: هل يستطيع الدمار أن يصنع أمناً دائماً؟
كيف تحوّل القلق الوجودي إلى منطق عسكري، ولماذا لا ترى طهران الركام نهاية للحرب بل اختباراً للعقل الذي صنعه؟
ليس الركام دائماً دليلاً على النصر. أحياناً يكون الركام هو الدليل الأكثر وضوحاً على أن الحرب لم تجد طريقها إلى الحسم.
وهذه هي المفارقة التي تكشفها ما بات يُطرح تحت عنوان "عقيدة الركام الإسرائيلية" : انتقال الحرب من محاولة هزيمة الخصم إلى محاولة تدمير البيئة التي يعيش فيها، ومن ضرب قدراته العسكرية إلى ضرب شروط بقائه وإعادة بنائه، ومن البحث عن نهاية للصراع إلى تحويل الصراع نفسه إلى حالة دائمة. في هذا المنطق، لا يعود المبنى مجرد مبنى، ولا الطريق مجرد طريق، ولا الحي مجرد حي، كل شيء يمكن أن يتحول إلى هدف إذا كان تدميره قادراً على جعل الحياة أكثر صعوبة، وإعادة البناء أكثر كلفة، والعودة أكثر تعقيداً.
لكن المشكلة أن هذا المنطق، مهما بلغ حجم النار التي يطلقها، يصطدم بسؤال أكثر عمقاً: ماذا لو كان الخصم لا يقيس قوته بما بقي من أبنيته، بل بما بقي من قدرته على النهوض؟
هنا تدخل إيران إلى المشهد.
فطهران، التي راكمت عبر عقود خبرة مباشرة في قراءة العقل الإسرائيلي، لا تنظر إلى الحرب باعتبارها سلسلة من الغارات والاغتيالات والدمار المتناثر، بل تحاول قراءة ما وراءها: لماذا اختير هذا الهدف؟ لماذا في هذا التوقيت؟ ماذا تريد “تل أبيب” أن تحقق بعد الضربة؟ والأهم: هل تستطيع تحويل الدمار العسكري إلى نتيجة سياسية دائمة؟
وهذه تحديداً هي النقطة التي تفصل بين من يرى الركام، ومن يقرأ ما بعد الركام.
من "الركام" إلى العقيدة: عندما يصبح الدمار جزءاً من الحساب
في 21 أيار/مايو 2026، نشر الباحث الأميركي ناثان ج. براون في مركز كارنيغي للشرق الأوسط تحليلاً بعنوان "الركام هو عقيدة إسرائيل، وليس حالة ارتجال"، ذهب فيه إلى أن ما يجري منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 لا يمكن اختزاله في ردود فعل عسكرية عابرة أو في قرارات مرتبطة بشخص بنيامين نتنياهو وحده، بل يعكس تحوّلاً أوسع في التفكير الإسرائيلي بالأمن والحرب.
ويشير براون إلى عناصر متكررة، بينها التدمير، ومنع العودة وإعادة الإعمار، وإضعاف قدرات الخصوم، وإعادة تشكيل البيئات التي يعيشون فيها بحيث تصبح استعادة قدراتهم صعبة أو مستحيلة.
كما يرى أن هذا المنطق الذي ظهر بوضوح في غزة اتسع لاحقاً ليشمل مناطق في الضفة الغربية ولبنان وسوريا، وبصورة مختلفة إيران أيضاً.
وهنا تتغير دلالة الركام. لم يعد السؤال فقط: لماذا دُمّر هذا المكان؟ بل أصبح: ما الوظيفة الاستراتيجية التي يؤديها الدمار؟
إذا كان تدمير حيّ ما يمنع عودة سكانه، وإذا كان تدمير بنية تحتية ما يجعل إعادة بناء القدرة أكثر صعوبة، وإذا كان إبقاء منطقة ما تحت الضغط يمنع خصماً من استعادة توازنه، فإن الركام يتوقف عن كونه أثراً للحرب، ويصبح جزءاً من طريقة إدارة الحرب نفسها.
وهذا هو التحول الأخطر: أن يصبح الدمار ليس طريقاً إلى نتيجة سياسية، بل بديلاً عن النتيجة السياسية نفسها. فبدلاً من أن تكون الحرب وسيلة للوصول إلى تسوية، تصبح الحرب وسيلة لإدارة الخصم، وإبقائه ضعيفاً، ومنعه من استعادة قدرته، وإعادة تشكيل البيئة المحيطة به بما يخدم ميزان القوة.
وراء "عقيدة الركام"... عقدة وجودية أقدم من الحرب
لكن لفهم هذه العقيدة، لا يكفي النظر إلى الطائرات والصواريخ والخرائط العسكرية. وراء "عقيدة الركام" ما هو أبعد من الحساب العسكري. ثمة عقدة وجودية رافقت المشروع الصهيوني منذ نشأته: هاجس الأرض، وهاجس التجمع، وهاجس البقاء داخل بيئة يُنظر إليها باعتبارها معادية أو غير مضمونة.
فتجربة الشتات والاضطهاد والهجرة الجماعية، ثم تحويل فكرة العودة إلى الأرض إلى مشروع "دولة"، وقوة وسيادة، أسهمت في تشكيل هاجس أمني ووجودي شديد القوة. لكن تأسيس الكيان لم يُنه هاجس الوجود، بل أعاد إنتاجه بصورة أخرى: كيف تبقى "الدولة" آمنة في محيط تعتبره تهديداً دائماً؟ وكيف تمنع خصومها من امتلاك القدرة على النهوض مجدداً؟
وهنا لا نتحدث عن تفسير تاريخي مبسّط يقول إن تجربة الشتات وحدها أنتجت العقيدة العسكرية الإسرائيلية، بل عن تراكم نفسي وسياسي وأمني جعل سؤال البقاء حاضراً بقوة في بنية التفكير الإسرائيلي: الأرض يجب أن تكون تحت السيطرة، والتجمع يجب أن يكون محمياً، والخصم يجب ألا يمتلك فرصة العودة إلى القوة.
ومن هذه الزاوية تحديداً، يصبح من الممكن فهم الانتقال من الردع إلى منع النهوض.
فالردع يفترض وجود خصم يمكن ردعه، ثم إبقاء ميزان القوة على حاله بما يمنعه من المبادرة. أما حين يصبح وجود قدرة مستقبلية لدى الخصم بحد ذاته مصدر قلق، فإن المطلوب لا يعود فقط منعه من الانتصار، بل منعه من إعادة إنتاج القوة بعد انتهاء المعركة.
وهنا تبدأ "عقيدة الركام" بالظهور كمنطق أمني متكامل: لا يكفي أن تضرب الخصم؛ يجب أن تجعل عودته أصعب. ولا يكفي أن تمنعه من استخدام قوته؛ يجب أن تجعل إعادة بناء تلك القوة أكثر كلفة وتعقيداً.
وهذه النقطة تحديداً هي التي تلتقطها إيران في قراءتها للخصم الإسرائيلي.
فطهران لا تتعامل مع هذا السلوك باعتباره مجرد إفراط في استخدام القوة، بل تقرأ جذره النفسي والاستراتيجي: خصم شديد الحساسية تجاه فكرة التهديد الوجودي، ولذلك يميل إلى محاولة إزالة مصادر التهديد قبل أن تتحول إلى خطر أكبر. لكن إيران تقرأ في المقابل نقطة الضعف في هذه المعادلة: الخوف الوجودي قد يدفع إلى تدمير أكبر، لكنه لا يضمن بالضرورة أمناً أكبر.
من الردع إلى منع النهوض
في الحروب التقليدية، يكون التدمير وسيلة للوصول إلى هدف سياسي: هزيمة الخصم، دفعه إلى التفاوض، فرض شروط معينة، ثم الوصول إلى تسوية.
أما عندما يصبح الهدف هو منع الخصم من إعادة بناء قدراته، فإن الحرب تدخل منطقة مختلفة. لم يعد المطلوب فقط أن يخسر الخصم المعركة، بل أن يخسر القدرة على خوض المعركة التالية.
وهذا فرق جوهري.
فالهزيمة العسكرية يمكن أن تكون مؤقتة، أما محاولة منع إعادة إنتاج القوة فتعني التعامل مع المستقبل نفسه باعتباره تهديداً. ومن هنا يصبح تدمير البيئة المحيطة بالخصم جزءاً من الاستراتيجية: البنى التحتية، طرق الحركة، المنشآت، المناطق السكنية، ومختلف الشروط التي تسمح للمجتمع بإعادة تنظيم نفسه واستعادة قدرته على الصمود.
وهنا يصبح الركام أكثر من نتيجة، يصبح رسالة تقول إن العودة لن تكون سهلة، وإن إعادة البناء لن تكون مجانية، وإن ما كان قائماً قبل الحرب لن يعود بالضرورة كما كان.
لكن هل يمكن فعلاً بناء أمن دائم فوق هذه المعادلة؟ هنا يبدأ الاختبار الحقيقي.
إيران لا تقرأ المبنى... بل القدرة التي صنعت المبنى
في هذه النقطة تحديداً تتقدم القراءة الإيرانية خطوات إلى الأمام. فإيران لا تقيس القوة بعدد الأبنية التي بقيت واقفة، ولا ترى في تدمير منشأة عسكرية دليلاً تلقائياً على تدمير القدرة التي كانت تلك المنشأة جزءاً منها.
في الحساب الاستراتيجي، القوة أوسع من منشأة يمكن تدميرها أو سلاح يمكن استهدافه أو موقع يمكن إزالته. القوة هي أيضاً معرفة، وخبرة، وتنظيم، وقدرة على التكيف، وإرادة سياسية، وشبكات بشرية ومجتمعية، وذاكرة متراكمة للصراع.
ولهذا فإن تدمير البنية المادية لا يعني بالضرورة تدمير القدرة التي أنتجتها.
وهذه نقطة أساسية في فهم طريقة قراءة طهران للحرب. فعندما تقع ضربة، لا يكون السؤال فقط: كم بلغت الأضرار؟ بل: ما الذي أراد الكيان الإسرائيلي تحقيقه من وراء هذه الأضرار؟
وعندما يُستهدف موقع عسكري، لا يكون السؤال فقط: هل دُمّر الموقع؟ بل: هل دُمّرت القدرة التي كان الموقع جزءاً منها؟
وعندما تتحول منطقة إلى ركام، لا يكون السؤال فقط: كم مبنى سقط؟ بل: هل تغيرت المعادلة السياسية والأمنية التي كانت قائمة قبل الدمار؟
هذه هي المسافة بين قراءة الضربة وقراءة العقل الذي يقف خلفها.
عقيدة الجذور: عندما لا تكون القوة فوق الأرض فقط
ومن هنا يمكن فهم ما يمكن تسميته "عقيدة الجذور"، ليس بوصفها اسماً لعقيدة إيرانية معلنة، بل باعتبارها وصفاً لمنطق مختلف في قراءة الصراع: إذا كان الخصم يراهن على تدمير ما هو فوق الأرض، فإن السؤال يصبح: ماذا بقي تحتها؟
المبنى يمكن هدمه، والمصنع يمكن استهدافه، والطريق يمكن قطعه. لكن المعرفة لا تُقصف بالطريقة نفسها، والخبرة لا تنهار مع انهيار الجدران، والتنظيم لا يختصر في منشأة، والإرادة السياسية لا يمكن قياسها بعدد الأبنية المدمرة.
وهنا تكمن المفارقة التي تفهمها إيران جيداً: كلما اعتقد الكيان الإسرائيلي أن تدمير البيئة المحيطة سيجعل إعادة بناء الخصم مستحيلة، أصبحت قدرة الخصم على إعادة البناء بعد الدمار المعيار الحقيقي لنجاح هذه العقيدة أو فشلها.
فالركام يصبح امتحاناً، والعودة تصبح امتحاناً، وإعادة إنتاج القدرة تصبح امتحاناً.
المشكلة في "عقيدة الركام": ماذا بعد الدمار؟
قد تنجح القوة في تدمير ما هو قائم، لكنها لا تستطيع وحدها أن تضمن ما سيأتي بعده. وهنا تكمن إحدى أكبر نقاط الضعف في "عقيدة الركام". فالركام قد يوقف قدرة عسكرية مؤقتاً، لكنه لا يصنع بالضرورة تسوية، وقد يفرض هدوءاً لفترة، لكنه لا ينهي أسباب الصراع. وقد يفرغ منطقة من سكانها، لكنه لا يمحو ارتباطهم بها، كما أن تدمير البنية التحتية قد يجعل إعادة البناء أكثر صعوبة، لكنه لا يضمن أن الخصم لن يجد طريقة أخرى لإنتاج القوة أو إعادة تنظيم صفوفه.
ولهذا تبدو المسألة، في القراءة الإيرانية، أبعد بكثير من حجم الدمار الذي يمكن قياسه بالصور والأرقام، فالمعيار الحقيقي ليس ما سقط من مبان، بل ما إذا كان هذا السقوط قد أنتج النتيجة السياسية التي أرادها صاحب القوة.
وهنا يتحول السؤال من "كم دُمّر؟" إلى "ماذا تغيّر؟" لأن الأثر المادي، مهما كان هائلاً، لا يعني بالضرورة تحقيق الهدف السياسي الذي قامت الحرب من أجله.
وهذا تحديداً ما يجعل إيران تقرأ ما بعد المشهد العسكري. فطهران لا تنكر أثر القوة الإسرائيلية ولا تقلل من قدرتها على إحداث دمار واسع، لكنها ترفض في الوقت نفسه مساواة القوة المادية بالنتيجة الاستراتيجية. فالمنشأة التي تُدمّر ليست بالضرورة القدرة التي تُهزم، والمدينة التي تتحول إلى ركام لا تعني بالضرورة أن المجتمع الذي كان يعيش فيها فقد إرادته أو قدرته على إعادة إنتاج مواقفه وقوته.
من هنا تنظر إيران إلى الحرب بوصفها صراعاً بين قدرات ظاهرة وقدرات أعمق، بين ما يمكن استهدافه بالصواريخ والطائرات، وما يتصل بالمعرفة والخبرة والتنظيم والإرادة والقدرة على التكيف.
وهذه القراءة تسمح لطهران بأن تتعامل مع "عقيدة الركام" لا كحقيقة مكتملة، بل كفرضية استراتيجية ينبغي اختبارها أمام السؤال الأصعب: هل يستطيع الدمار أن يتحول إلى واقع سياسي دائم، أم أن ما يبدو انتصاراً في الميدان قد يبقى عاجزاً عن إنتاج الاستقرار الذي يفترض أن يكون غايته؟
حين يتحول الخوف إلى دائرة مغلقة
وراء هذه المعادلة ثمة مفارقة أكثر عمقاً. فإذا كان هاجس البقاء يدفع إلى إزالة مصادر التهديد قبل أن تصبح أخطر، فإن الإفراط في استخدام القوة لإزالة تلك المصادر قد ينتج بدوره بيئة جديدة لعدم الاستقرار.
وهنا يمكن أن تتحول العقيدة إلى دائرة مغلقة: الخوف يولّد الحاجة إلى القوة، والقوة تنتج دماراً واسعاً، والدمار يراكم أثماناً سياسية وإنسانية واجتماعية، وهذه الأثمان قد تعيد إنتاج العداء، والعداء يعيد بدوره إنتاج الخوف الذي استُخدمت القوة أصلاً للقضاء عليه.
وفي هذه الحالة، تصبح الحرب التي يُفترض أن تنتج الأمن جزءاً من البيئة التي تجعل الحاجة إلى الحرب أكثر استمراراً.
لذلك لا تقرأ إيران القوة الإسرائيلية باعتبارها مجرد فائض قدرة، بل تحاول أن تفهم العلاقة بين القوة والخوف داخل القرار الإسرائيلي نفسه: هل تعكس القوة ثقةً بالقدرة على حسم الصراع، أم تكشف في جانب منها عن خوف عميق من أن يكتسب الخصم قدرة جديدة على تهديدها؟
وهنا تحديداً تصبح "عقيدة الركام" أكثر من مجرد تكتيك عسكري، تصبح انعكاساً لطريقة كاملة في تعريف "الأمن". فإذا كان “الأمن” يعني منع الخصم من النهوض، فإن كل قدرة جديدة يمتلكها ستُقرأ باعتبارها احتمالاً لتهديد مستقبلي، وكل تهديد محتمل سيحتاج إلى معالجة، وكل معالجة قد تستدعي مزيداً من القوة. وبذلك يصبح "الأمن" نفسه قابلاً للتحول إلى حالة دائمة من الاستنفار، ويصبح السؤال ليس كيف تنتهي الحرب، بل كيف يمكن إبقاء الخصم عاجزاً عن استعادة قوته.
وهذه النقطة تحديداً هي التي تمسك بها إيران في قراءتها للعدو الإسرائيلي: حين يصبح الخوف من المستقبل جزءاً من تعريف الأمن، قد لا تعود القوة وسيلة للوصول إلى نهاية الحرب، بل تتحول الحرب نفسها إلى وسيلة لإدارة الخوف.
إيران تقرأ الخصم من داخله
إيران لا تحتاج إلى إنكار حجم القوة الإسرائيلية حتى تفهم حدودها، ولا تحتاج إلى تجاهل أثر الدمار، لكن ما تفعله هو فهم الخصم من داخله: تفهم حساسيته تجاه التهديد الوجودي، وتفهم حاجته إلى إبقاء المبادرة الأمنية في يده، وتفهم رغبته في منع خصومه من إعادة بناء قدراتهم، لكنها تقرأ في الوقت نفسه التناقض الكامن داخل هذه المنظومة.
فالخصم الذي يرى في كل قدرة مستقلة احتمالاً لتهديد وجودي قد يجد نفسه مضطراً إلى مواصلة الضغط حتى بعد تحقيق أهداف عسكرية مباشرة، لأن المشكلة بالنسبة إليه لا تنتهي عند تدمير الهدف، بل تبدأ من السؤال عما إذا كان هذا الهدف قادراً على الظهور من جديد بصورة مختلفة.
وهنا تصبح معرفة العقلية الإسرائيلية، بالنسبة إلى طهران، معرفة بمصادر القلق التي تحرك القرار قبل أن تكون معرفة بأهدافه العسكرية فقط: ليس أين سيضرب الكيان الإسرائيلي فحسب، بل لماذا يضرب، ومتى يشعر أنه مضطر إلى الضرب، وما الذي يعتبره خطراً لا يمكنه التعايش معه، وما الذي يجعله يرى في إعادة بناء الخصم تهديداً جديداً يستدعي جولة أخرى.
وهذا هو الفارق بين من يقرأ الحرب من خلال صور الأقمار الصناعية وحجم الركام، ومن يحاول قراءة العقل الذي أنتج الركام.
الركام لا يصنع الأمان أو السلام
المشكلة الأساسية في "عقيدة الركام" أنها تفترض، بصورة أو بأخرى، أن إضعاف الخصم يمكن أن يتحول تلقائياً إلى استقرار. لكن التاريخ أكثر تعقيداً. فالركام قد يفرض الصمت، لكنه لا يصنع السلام. وقد يؤخر المواجهة، لكنه لا يلغي أسبابها. وقد يضعف الخصم، لكنه لا يضمن اختفاء قدرته على النهوض. وقد يجعل العودة أصعب، لكنه لا يلغي الرغبة في العودة.
ولهذا فإن المسألة أكبر من سؤال عسكري. إنها سؤال سياسي واستراتيجي: هل يمكن بناء "أمن" دائم على منع الآخرين من إعادة بناء أمنهم؟ وهل يمكن أن تكون الحرب المستمرة بديلاً عن التسوية؟ وهل يستطيع الركام أن يحل مكان السياسة؟
حتى براون نفسه يصل، في تحليله، إلى مفارقة قريبة من هذه النقطة: الاستقرار الذي يُبنى فوق الركام لا يصبح بالضرورة سلاماً حقيقياً، بل قد يتحول إلى هدنة تسبق جولة أخرى من الحرب والدمار، لأن العقيدة تخلط بين شلّ الخصم وبين حلّ الصراع.
وهنا يعود السؤال الإيراني مرة أخرى: هل استطاع الدمار أن يغيّر جذور الصراع، أم أنه غيّر فقط شكله؟
ما بين الركام والجذور
وهنا تصل القصة إلى مفارقتها الأهم: قد يمتلك الكيان الإسرائيلي قدرة استثنائية على صناعة الركام، لكن صناعة الركام ليست هي صناعة النصر. فالمدن يمكن أن تُهدم، والبنى يمكن أن تُدمّر، والطرقات يمكن أن تختفي، لكن السؤال يبقى: هل اختفت القدرة التي صنعتها؟
وهذا هو السؤال الذي تضعه إيران في قلب قراءتها. فإذا كان الهدف الإسرائيلي هو منع الخصم من إعادة إنتاج القوة، فإن نجاح الخصم في إعادة إنتاج قدرته يصبح بحد ذاته رداً على العقيدة. وإذا كان الهدف هو جعل العودة مستحيلة، فإن العودة تصبح بحد ذاتها اختباراً. وإذا كان الهدف هو تحويل الدمار إلى استسلام، فإن بقاء الإرادة يصبح هو المقياس.
هل يستطيع الركام اقتلاع الجذور؟
أخطر ما في "عقيدة الركام" ليس حجم الدمار الذي تنتجه فقط، بل الفكرة التي تقف خلفه: الاعتقاد بأن الصراع يمكن أن يُحسم من خلال جعل حياة الخصم أكثر صعوبة، وأن المجتمع الذي لا يمكن إخضاعه يمكن إنهاكه، وأن الخصم الذي لا يمكن القضاء عليه يمكن إبقاؤه ضعيفاً إلى الأبد.
لكن هذه العقيدة تحمل داخلها تناقضها، فهي تفترض أن القوة قادرة على إنتاج الاستقرار، بينما قد تنتج القوة المفرطة جيلاً جديداً من الصراع.
وتفترض أن تدمير البيئة الحاضنة للمقاومة يقتل القدرة على المقاومة، بينما يتحول الدمار نفسه إلى ذاكرة جديدة.
وتفترض أن الركام نهاية الطريق، بينما قد يكون الركام بداية مرحلة أخرى من الصراع.
وهنا تحديداً تكمن أهمية إيران في قراءة هذه المعادلة.
فطهران لا ترى الركام وحده، تقرأ ما وراء الركام.
لا تسأل فقط عن المبنى الذي سقط، بل عن القدرة التي بقيت.
لا تسأل فقط عن السلاح الذي دُمّر، بل عن المعرفة التي أنتجته.
لا تسأل فقط عن الأرض التي أصبحت مدمرة، بل عن الإرادة التي ستقرر ماذا سيحدث عليها بعد ذلك.
ولهذا فإن المعركة، في هذه القراءة، لا تُحسم بعدد الأبنية التي سقطت، ولا بحجم الدمار الذي يمكن إحداثه، بل بالسؤال الأصعب:
هل استطاع الركام أن يقتلع الجذور؟
لأن الأبنية يمكن أن تسقط، والطرق يمكن أن تُمحى، والمدن يمكن أن تتحول إلى ركام، لكن إذا بقيت القدرة على النهوض، وبقيت الذاكرة، وبقيت الإرادة، وبقيت القدرة على إعادة إنتاج القوة، فإن الركام لا يكون خاتمة القصة.
يكون مجرد طبقة فوق صراع لم يُحسم بعد.
وربما هنا تكمن المفارقة التي تقرأها إيران جيداً: إذا كان لا بد من تحويل كل ما حولك إلى ركام كي تشعر بالأمان، فالسؤال لا يعود فقط عن مقدار القوة التي تملكها، بل عن مقدار الخوف الذي لم تستطع هذه القوة نفسها أن تبدده.
فالركام قد يهدم ما فوق الأرض... لكن النصر الحقيقي وحده يستطيع أن يغيّر ما تحتها.