الکارثة التی أنزلتها إیران بقواعد أمیرکا

خلال الحرب الأخيرة تمكنت إيران من وضع أحد أهم أسس الوجود العسكري الأميركي في غرب آسيا أمام سؤال جدي: هل لا تزال شبكة القواعد التي بنتها واشنطن على مدى عدة عقود للحفاظ على تفوقها العسكري في المنطقة قادرة على أداء الدور نفسه الذي حُدد لها سابقاً؟

من أهم تداعيات الصراع الأخير بين إيران وأميركا شيء يتجاوز الأضرار التي لحقت بعدة قواعد عسكرية. فالمسألة الرئيسية هي أن إيران تمكنت من وضع أحد أهم أسس الوجود العسكري الأميركي في غرب آسيا أمام سؤال جدي: هل لا تزال شبكة القواعد التي بنتها واشنطن على مدى عدة عقود للحفاظ على تفوقها العسكري في المنطقة قادرة على أداء الدور نفسه الذي حُدد لها سابقاً؟

وقد كتبت صحيفة "إنترسيبت" الأميركية، في تقرير استندت فيه إلى مسؤولين أميركيين، أن بعض القواعد الرئيسية لأميركا في المنطقة تضررت نتيجة الهجمات الإيرانية إلى درجة أنها أُغلقت بالكامل، وأن هناك احتمالاً حتى بأن بنية الوجود العسكري الأميركي في المنطقة لن تعود أبداً إلى وضع ما قبل الحرب. وإذا كان هذا التقييم صحيحاً، فإن أهمية الأمر لا تكمن فقط في عدد الصواريخ المطلقة أو حجم الأضرار التي لحقت بالمنشآت العسكرية الأميركية؛ بل يجب النظر إليه في إطار تغير الحسابات الأمنية لواشنطن في المنطقة.

لقد حاولت أميركا على مدى سنوات، بإنشاء شبكة من القواعد في مختلف دول غرب آسيا، أن تحقق لنفسها ميزة عسكرية مهمة. فهذه القواعد ليست مجرد مواقع لتمركز القوات أو مستودعات للمعدات. إنها حلقات في سلسلة متصلة تتيح العمليات الجوية والاستطلاع والقيادة والتزود بالوقود والدعم اللوجستي ونقل القوات. ولهذا السبب، عندما تتضرر قاعدة، فإن المسألة لا تقتصر بالضرورة على تلك المباني والمدارج؛ لأن الاضطراب في حلقة يمكن أن يؤثر أيضاً في أداء الحلقات الأخرى.

وقاعدة العديد في قطر مثال واضح على أهمية هذه الشبكة. فالعديد ليست مجرد قاعدة عسكرية عادية، بل تُعد أحد أهم المراكز العسكرية الأميركية في المنطقة، ويعتمد جزء مهم من القدرة العملياتية لواشنطن في غرب آسيا على بنى تحتية من هذا القبيل. وبالتالي، إذا أصبحت مثل هذه القاعدة عرضة للهجمات الإيرانية، فهذا لا يعني أن أميركا لا تستطيع إعادة بناء بضعة مبانٍ. فأميركا قادرة مالياً وفنياً على إعادة بناء كثير من المنشآت. والأهم من ذلك هو ما إذا كانت تستطيع استعادة المستوى السابق من الثقة وحرية العمل أم لا.

وهنا تكتسب أهمية الفرق بين "القدرة على إعادة البناء" و"عودة الأمن". فقد تتمكن أميركا من إصلاح قاعدة متضررة، لكن هذا لا يعني عودة الظروف السابقة. فإذا علم القادة الأميركيون أن قاعدة على مسافة معينة من إيران يمكن أن تُستهدف، فعليهم تخصيص مزيد من القوات والمعدات لحمايتها، ونقل الطائرات وأنظمة الدفاع الجوي، وتوزيع بعض المعدات، بل وتغيير مواقع تمركز قواتهم في بعض الحالات. وكل هذه الإجراءات مكلفة، والأهم من التكلفة أنها تقلل كفاءة الشبكة العسكرية الأميركية.

كما تحدث تقرير "إنترسيبت" عن استهداف أكثر من 15 قاعدة أميركية في المنطقة. وإذا وضعنا هذا الرقم إلى جانب تقارير عن الأضرار التي لحقت ببعض المنشآت وتقييد وصول بعض المسؤولين والممثلين الأميركيين إلى القواعد العسكرية، تتشكل صورة أكبر. فالمسألة ليست مجرد هجوم على نقطة واحدة؛ بل المسألة هي إثارة الشك حول أمن مجموعة من النقاط التي اعتبرتها أميركا لعقود جزءاً من العمود الفقري لوجودها العسكري في المنطقة.

ولهذا الحدث رسالة سياسية مهمة أيضاً. فأميركا ليست حاضرة في غرب آسيا بالسلاح فقط؛ بل حاضرة "بالثقة بأمن القواعد". كما يجب أن تكون الدول المضيفة للقواعد الأميركية مطمئنة إلى أن هذا الوجود يزيد أمنها، وفي الوقت نفسه لا يحولها إلى هدف عرضة للخطر. وإذا أظهرت حرب ما أن هذه القواعد يمكن أن تتعرض لهجمات واسعة، فمن الطبيعي أن تتغير أيضاً حسابات الدول المضيفة.

وهذه هي النقطة التي تتجاوز فيها مسألة إيران وأميركا مستوى الصراع العسكري. فإيران، بهجومها على القواعد الأميركية في المنطقة، هاجمت في الواقع أحد أهم المفروضات الاستراتيجية لواشنطن: أن أميركا يمكنها أن تنشر قوة عسكرية على بعد آلاف الكيلومترات من أراضيها، وأن تستخدم شبكة آمنة نسبياً من القواعد لممارسة القوة.

وهذا المفروض يواجه الآن سؤالاً جدياً. فإذا كانت القواعد الأميركية قابلة للاستهداف، وإذا خرج جزء منها من الدورة العملياتية لفترة ما، وإذا تطلب الحفاظ عليها تكاليف أكبر بكثير، فإن الميزة الجغرافية لأميركا في المنطقة لم تعد كما كانت في السابق.

وبالطبع، لا ينبغي أن نستنتج من هذه الحقيقة أن أميركا ستخرج من المنطقة أو لم يعد لديها قدرة عسكرية كبيرة في غرب آسيا. فمثل هذا الاستنتاج مبالغ فيه. لا تزال أميركا تمتلك قوة جوية وبحرية واستخباراتية ولوجستية قوية، ويمكنها تغيير تشكيلها العسكري. لكن المسألة المهمة هي أن "القدرة على الحضور" لا تتساوى مع "حرية العمل في الحضور". فقد تبقى أميركا في المنطقة، لكن بقواعد أكثر تشتتاً، وقوات أكثر حركة، ومعدات أقل تمركزاً، وتكاليف أمنية أكبر. وقد يجري تعزيز أو نقل بعض المراكز العسكرية، ويُنفذ جزء من العمليات من مسافة أبعد. وفي مثل هذه الظروف، حتى لو بقي العلم الأميركي يرفرف فوق قواعد المنطقة، فإن نوعية حضوره ستكون مختلفة عن الماضي.

ومن هذه الزاوية، لا ينبغي قياس أهمية الهجمات الإيرانية بمقدار الأضرار المادية فقط. فيمكن إعادة بناء مبنى، وإصلاح مدرج طيران، واستبدال معدات متضررة؛ لكن إعادة بناء الثقة بأمن شبكة عسكرية أمر أكثر صعوبة بكثير.

وبحسب التقارير المنشورة في وسائل الإعلام الأميركية حول هشاشة القواعد واحتمال تغيير دائم في بنية الوجود العسكري الأميركي، تمكنت إيران من نقل إحدى أكثر رسائلها الاستراتيجية كلفة إلى واشنطن: فالمنطقة التي اعتبرتها أميركا لسنوات فناءها الأمني الخلفي لم تعد منطقة يمكن أن يكون لها فيها وجود عسكري دون دفع تكلفة باهظة.

وفي الواقع، ربما لا تكون أهم خسارة لحقت بالقواعد الأميركية هي ما يُرى في صور الأقمار الصناعية. فقد تكون الخسارة الرئيسية قد نشأت في الحسابات الذهنية للقادة الأميركيين والدول المضيفة، وحتى حلفاء واشنطن؛ حيث لم يعد من الممكن افتراض أن أمن القواعد الأميركية أمر بديهي.

وإذا بقي هذا التغير في الحسابات مستداماً، فإن ما استهدفته إيران في هذا الصراع لم يكن مجرد عدة قواعد عسكرية؛ بل وضعت أحد أهم أدوات ممارسة القوة الأميركية في غرب آسيا أمام تحدٍّ استراتيجي جدي.

مصدر : مهر
أضف تعليق